منتدى الوسام للتربية والتعليم

منتدى الوسام للتربية والتعليم
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول


شاطر | 
 

 كلمات صحفي عربي عندما رأى فيينا

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
غزوان العراقي

avatar


مُساهمةموضوع: كلمات صحفي عربي عندما رأى فيينا   الثلاثاء أبريل 07, 2009 8:26 am

كلمات صحفي عربي عندما رأى فيينا


أشفقت على أهل فيينا. على أهل النمسا برمتهم. حياتهم عادية. رتيبة. باردة. وكئيبة. يذهبون الى أعمالهم ويعودون. يستمعون الى الموسيقى ولديهم أجمل مناجمها. يرتادون المسارح أو دور الأوبرا.

أشفقت عليهم. لا يشعرون بالحاجة الى حفظ اسم المستشار. انه مجرد رجل يأتي ويذهب. ولم يعد ثمة فارق إن كان يمينياً أم يسارياً. حين يزجره البرلمان يجمع أوراقه ويغادر. لا يجدد بالتحايل. لا يمدد بالكسر والخلع.

أشفقت عليهم. لا يعرفون اسم مدير المخابرات. ولا يشعرون بالحاجة. فهو لا يطبخ الانتخابات ولا يحرك السياسيين كعرائس الدمى. لا يوصد مداخل الحي الذي يقيم فيه. ولا يؤدب جاره ان استفسر أو تذمر. لا يجرؤ على اعتقال مواطن بريء. ولا يفجر مقراً لفتح أبواب العدالة على مصراعيها.

بلاد عادية. بلاد كئيبة.

يذهب الأطفال الى المدارس. وأولياؤهم الى الشركات والمتاجر والدوائر. يقرأون الصحف ويتابعون كرة القدم. عينهم على الأسعار ويبتسمون للسياح. إذا تكشفت قصة فساد يتحرك القضاء من دون استئذان الفعاليات. دولة ومؤسسات. حياة رتيبة ومملة.

مدينة مضجرة. تجول فيها من دون أن يتعقبك رجل بنصف ابتسامة يزعم أنه ساهر على أمن البلد. لا يعترضك اشكال أمني على تعليق الصور ولا يلعلع الرصاص لأن أعصاب الشباب فارت. لا يرعبك موكب سيارات معتمة ستذوق الويل إن شاء حظك العاثر أن تكون قريباً منه.

قال صديقي: أما تعبت من التجوال في عواصم الشرق الأوسط؟ انها منطقة الاعمار الضائعة. والآمال المهدورة. خطّط لمستقبلك بشكل منطقي. ان التقاعد في النمسا فكرة صائبة.

فوجئت باقتراحه. لم يقرع العمر بعد أجراس التقاعد. لا تزال بعيدة. ثم ان مخالطة المسؤولين والسياسيين العرب تعلّم الصحافيين أن التقاعد أمر غير وارد أو مقبول. وأن على المرء «ألا يفرط بالأمانة». وأن «يحارب حتى النفس الأخير». وأن «يبذل كل لحظة في خدمة الأمة».

اقتراح عجيب. من يترك المدن الدافئة المثيرة الحارة ليخفي أيامه في مدينة مثقلة بكآبات العيش المنظم ووضوحه القاتل. وماذا تراه يفعل الصحافي هنا؟ يكتب عن موزارت أم عن الدانوب؟

لا شيء يغوي في هذه المدينة. لا شيء يستحق التحول الى عنوان. مدينة بائسة. لا يدخل انتحاري فيها مطعماً للبيتزا ويغرق الحاضرين في برك الدم. لا ينغمس انتحاري في جنازة ويحولها جنازات. ولا ينفجر بعرس فيتطاير لحم المدعوين. مدينة لا يعثر فيها على جثة مقطوعة الرأس.

اعتدنا على الإثارة.

احتكاكات عرقية. تربص طائفي. هياج مذهبي. ميليشيات تسن أحقادها استعداداً للولائم المقتربة. فيينا المسكينة تفاخر بمبانيها القديمة. تمسح عنها الغبار وتحتضنها وتصون ملامحها ومخمل ذاكرتها. نحن عشاق الجديد والتجديد. يغضب الشباب فيهجمون على المدينة. يبقرون الجدران ويغتالون الماضي بنوافذه وسطوحه وقرميده. ثم يتعبون فتبدأ ورشة إعادة الإعمار بانتظار الجولة المقبلة.

مدينة رتيبة.

تلفزيونها مضجر. لا يطل منه سياسي ليهدد خصمه وأولاده والجيران. لا يطل سياسي ليتهم منافسه بالعمالة والخيانة والتسلح وتقاضي أموال من الخارج والتآمر مع سفراء ودول. لا يطل وزير لنشر غسيل الجمهورية الوسخ ويبقى القضاء مستسلماً لغفوته وغفلته.

ثمة شروط لا بد من توافرها لإقناع صحافي بالتقاعد في مدينة. هيئة عليا للإغاثة. مجلس جنوب. صندوق للمهجرين. اتفاق الطائف. اتفاق الدوحة. 8 آذار (مارس). 14 آذار. الثلث المعطل. مخيم عين الحلوة وجزيرة الأصوليين فيه. الحكاية المشوقة لشاكر العبسي. نزاع على صلاحيات نائب رئيس الحكومة. علاقات أخوية وندية. استراتيجية دفاعية. ذاكرة مثقلة بالشهداء. ومناسبات تعج بالأرامل والأيتام. وسياح يُخطفون لأسباب محلية. وعمارات عشوائية سريعة الانهيار. وعبّارات تغرق مع ركابها. لا تعيش الصحافة على ذكرى شتراوس وموزارت. تعيش على مآسي المدن الفاشلة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
كلمات صحفي عربي عندما رأى فيينا
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الوسام للتربية والتعليم :: القسم العام :: المنتدى العام-
انتقل الى: